الحكومة البريطانية تندد بتصعيد اليمين المتطرف.. "سلوك بلطجي وترهيبي"
صعّدت الحكومة البريطانية لهجتها تجاه تحركات اليمين المتطرف المناهضة للمهاجرين، بعد تجمع مئات الأشخاص في مدينة بورتسموث جنوب إنجلترا ومحاولتهم عرقلة نقل طالبي لجوء وصلوا عبر قارب صغير إلى مراكز المعالجة، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاوف من اتساع قدرة الجماعات اليمينية المتطرفة على حشد أنصارها في الشوارع واستهداف الوافدين الجدد، بعد احتجاجات مماثلة شهدتها مدينة دوفر قبل يوم واحد.
ووصف مسؤولون حكوميون ما جرى في بورتسموث بأنه "سلوك بلطجي وترهيبي"، مؤكدين أن الحق في الاحتجاج السلمي مكفول، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى تعطيل لحركة الناس أو تهديد للأمن العام. وانتهت المواجهة بعد تدخل الشرطة وإصدار أمر بتفريق المحتجين، في وقت أفادت تقارير بتعرض سيارتي شرطة لأضرار في المكان.
مئات المقنّعين في شوارع بورتسموث
بدأت الاحتجاجات بعدما وصل إلى ساحل بورتسموث قارب يحمل نحو 140 طالب لجوء، في واقعة قالت التقارير إنها الأولى التي تشهد فيها المدينة وصول مجموعة بهذا الحجم من طالبي اللجوء عبر القوارب، وأيضاً الأولى التي تشهد احتجاجاً كبيراً مناهضاً للمهاجرين بهدف منع نقل الوافدين إلى مركز المعالجة في مانستون بمقاطعة كِنت.
وتجمع مئات الرجال في المنطقة، وظهر كثير منهم بملابس سوداء وأقنعة تغطي وجوههم، فيما أغلقت المجموعة طرقاً لساعات وحاولت منع الحافلات المخصصة لنقل طالبي اللجوء من مغادرة المكان. واستمر التجمع حتى نحو الثالثة فجراً، قبل أن تتدخل الشرطة وتحصل على أمر بالتفريق وتهدد باعتقال من يرفض المغادرة.
ونقلت تقارير عن شاهد أن اثنتين من سيارات الشرطة تعرضتا لتحطيم زجاجهما، فيما تمكن بعض المحتجين في مرحلة معينة من اختراق الطوق الأمني، ما زاد من حدة التوتر في محيط المكان.
وكان القارب قد غادر منطقة قريبة من شيربورغ الفرنسية نحو الساعة الواحدة صباح الأحد، قبل أن يدخل مياه سولنت، قبالة بورتسموث، بعد نحو عشر ساعات، وفق ما أعلنته مفوضة الشرطة والجريمة في هامبشاير دونا جونز.
الحكومة: الاحتجاج تجاوز الخط الأحمر
وقالت إيما رينولدز، كبيرة أمناء الخزانة، إن الحكومة تؤيد حق المواطنين في الاحتجاج السلمي، لكنها اعتبرت أن ما جرى في بورتسموث تجاوز الحدود المقبولة.
وأضافت في تصريحات لشبكة "سكاي نيوز" أن ما حدث يمثل "سلوكاً بلطجياً وترهيبياً"، مشيرة إلى أن المشاهد التي انتشرت عبر الشاشات كانت «مخيفة للغاية» بالنسبة إلى كثيرين.
وأكد متحدث باسم وزارة الداخلية أن الحكومة تدين "السلوك الترهيبي والبلطجي" الذي شهدته بورتسموث، مشيراً إلى أن جميع الأشخاص الذين وصلوا على متن القارب غادروا المنطقة، وأنهم نُقلوا إلى مراكز المعالجة وفق الإجراءات المعتادة.
وتأتي هذه التصريحات في أعقاب انتقادات وُجهت إلى السلطات بسبب احتجاجات دوفر السبت، حيث تمكنت مجموعة من الناشطين اليمينيين المتطرفين من الوصول إلى المنطقة في شاحنات صغيرة وإغلاق طرق بالقرب من الميناء، وسط انتقادات بشأن مدى استعداد الشرطة للتعامل مع التحركات التي جرى الإعلان عنها مسبقاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
"دوفر كانت تجربة تمهيدية"
وتشير المعطيات إلى أن التحرك في بورتسموث لم يكن عفوياً بالكامل، إذ ارتبط باسم الناشط اليميني المتطرف دانيال توماس، المعروف على وسائل التواصل الاجتماعي باسم "داني تومو"، والذي ظهر في بث مباشر من موقع الاحتجاج داعياً مؤيديه إلى التوجه إلى المدينة.
وقال توماس للمحتجين إن بورتسموث أصبحت "نقطة الصفر" في وصول طالبي اللجوء عبر القوارب، واعتبر أن احتجاج دوفر كان بمثابة "تجربة تمهيدية" لما يجري في بورتسموث.
ويرتبط توماس بصورة وثيقة بالناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون، واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي-لينون، كما أسس أخيراً مجموعة "باتريوت بلاتفورم"، التي شاركت في تحرك دوفر، وكان قد أطلق في السابق ما عرف باسم "عملية أوفرلورد" بهدف إرسال ناشطين من اليمين المتطرف إلى فرنسا لمواجهة القوارب التي تنقل المهاجرين.
ويثير هذا النشاط مخاوف من انتقال الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين من كونها تجمعات متفرقة إلى نمط أكثر تنظيماً وقدرة على التحرك السريع بين المدن التي تصل إليها القوارب.
انتقادات للشرطة وفشل استخباراتي
وفي الوقت الذي دافعت فيه الحكومة عن أداء الشرطة في بورتسموث، أثيرت أسئلة حول قدرة أجهزة الأمن على رصد هذه التحركات والاستعداد لها، خصوصاً أن احتجاج دوفر كان قد شهد بدوره وصول مجموعة منظمة من الأشخاص الملثمين إلى محيط الميناء.
وقال نيك لولز، الرئيس التنفيذي لمنظمة "هوب نوت هيت"، التي تراقب نشاط اليمين المتطرف في بريطانيا، إن ما جرى في المدينتين يوحي بوجود إخفاق استخباراتي، خصوصاً مع وجود مؤشرات مسبقة على تعبئة المحتجين عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
واعتبر لولز أن ظهور 300 أو 400 شخص ملثمين يسيرون في الشوارع ويوقفون حركة المرور لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد ممارسة عادية للاحتجاج، محذراً من أن صور هذه التحركات تخلق مناخاً من الخوف لدى المهاجرين والأقليات العرقية.
وأكد أن الاعتراض السياسي يمكن التعبير عنه بوسائل مختلفة، لكن تهديد الشرطة أو تعطيل الطرق أو خلق حالة من الترهيب في الشوارع يختلف جذرياً عن الاحتجاج السلمي.
من دوفر إلى بورتسموث.. تغير في طرق وصول القوارب
وتتزامن هذه التطورات مع تغير في أنماط وصول القوارب الصغيرة إلى بريطانيا. فبحسب المعطيات التي أوردتها تقارير بريطانية، انخفض عدد الأشخاص الذين وصلوا عبر القوارب الصغيرة هذا العام بأكثر من 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لكن المهربين يبدو أنهم بدأوا في استخدام طرق جديدة، بما في ذلك نقاط انطلاق أبعد من منطقة دوفر التقليدية.
وتثير هذه التحولات قلق السلطات البريطانية، ليس فقط بسبب صعوبة التعامل اللوجستي مع الوافدين، وإنما أيضاً بسبب احتمال ظهور مدن ساحلية جديدة كنقاط وصول منتظمة، وما قد يترتب على ذلك من تمدد الاحتجاجات المناهضة للهجرة إليها.
وقالت دونا جونز إن مصدر قلقها الأساسي هو ألا تتحول بورتسموث إلى "وجهة مفضلة" للمهربين، مشيرة إلى أن البنية التحتية اللازمة للتعامل مع أعداد كبيرة من الوافدين كانت تتركز بصورة أكبر في مناطق مثل دوفر.
لكن موقف جونز من احتجاجات اليمين المتطرف جاء أكثر تحفظاً من موقف الحكومة؛ إذ قالت إن المحتجين كانوا في الغالب سلميين وإنهم كانوا يريدون التعبير عن رفضهم لتحول بورتسموث إلى نقطة وصول للمهاجرين.
الهجرة.. وقود جديد لليمين المتطرف
وتكشف أحداث نهاية الأسبوع عن تداخل متزايد بين ملف الهجرة وصعود نشاط اليمين المتطرف في بريطانيا. فالقضية لم تعد محصورة في الجدل السياسي حول أعداد طالبي اللجوء أو سياسات الحكومة، وإنما باتت تتحول في بعض المناطق إلى مواجهات ميدانية ومحاولات مباشرة للتأثير في عمل الشرطة وتعطيل الإجراءات الرسمية الخاصة باستقبال الوافدين.
ويأتي ذلك في سياق أوسع شهد خلال العامين الماضيين أعمال عنف واضطرابات مرتبطة بخطابات معادية للمهاجرين، فيما أظهرت تحركات اليمين المتطرف قدرة على استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتعبئة أنصاره بسرعة وتوجيههم إلى مواقع محددة.
وفي حالة بورتسموث، بدا أن الهدف لم يكن فقط التعبير عن رفض وصول القوارب، بل محاولة منع الدولة نفسها من تنفيذ إجراءاتها، عبر إغلاق الطرق ومحاصرة المركبات التي تنقل طالبي اللجوء.
اختبار للحكومة البريطانية
وتضع هذه التطورات حكومة حزب العمال أمام اختبار مزدوج: فمن جهة، تواجه ضغوطاً شعبية وسياسية متصاعدة بشأن الهجرة غير النظامية ووصول القوارب الصغيرة، ومن جهة أخرى، يتعين عليها منع تحول هذا الملف إلى مساحة تستثمر فيها الجماعات اليمينية المتطرفة مشاعر الغضب والخوف لتوسيع نفوذها في الشارع.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومة أن أعداد القادمين بالقوارب تراجعت بصورة ملحوظة، فإن تغير طرق الوصول وانتقال الاحتجاجات إلى مدن جديدة يضيفان بعداً أمنياً وسياسياً جديداً إلى أزمة الهجرة.
أما المشهد في بورتسموث، حيث وقف ملثمون أمام مركبات تنقل طالبي اللجوء قبل أن تتدخل الشرطة لتفريقهم، فيكشف أن معركة بريطانيا حول الهجرة لم تعد تدور فقط داخل البرلمان ومراكز معالجة طلبات اللجوء، وإنما باتت تُخاض أيضاً في الشوارع، حيث يحاول اليمين المتطرف تحويل القوارب القادمة من فرنسا إلى رمز لصراع أوسع حول هوية البلاد وحدودها ومستقبلها السياسي.
التعليقات
اضافة تعليق